التهديد الأكثر إلحاحاً لأميركا
  • رفح
  • غزة
  • الخليل
  • رام الله
  • القدس
  • نابلس
  • بيت لحم
  • أريحا
  • طولكرم
  • 0الدولار الامريكي
  • 0الدينار الاردني
  • 0اليـــــــورو
  • 0الجـنيه المصـري
عـــاجل
  • اتحاد لجان العمل الزراعي: قيام زوارق الاحتلال بضخ المياه العادمة فوق مراكب الصيادين غرب منطقة السودانية على بعد 4 ميل
  • اندلاع حريق في محمية كارميا بفعل بالون حارق أطلق من شمال قطاع غزة

التهديد الأكثر إلحاحاً لأميركا

التهديد الأكثر إلحاحاً لأميركا
جيمس ستارفيديس

عندما صدرت النسخة الأحدث من استراتيجية الأمن الوطني الأميركي الشهر الماضي، اعتبر كثير من المعنيين بمجالات الاستخبارات والشؤون العسكرية والسياسة الخارجية الأمر مفاجأة سارة. وتناولت الاستراتيجية معظم القضايا التي تستحوذ على الاهتمام الأميركي في الوقت الراهن: التحديات الكبرى الصادرة عن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، وضرورة تحسين مستوى الأمن الداخلي في مواجهة الهجمات الإرهابية، وأهمية العمل مع الحلفاء والشركاء والأصدقاء، والحاجة إلى تحديد سبل معقولة من الإنفاق الدفاعي.


من جانبي، وصفت الاستراتيجية في إطار مقال رأي نشرته عبر «بلومبيرغ فيو» بأنها جاءت «عادية على نحو صادم». اللافت أن الاستراتيجية جاءت دون المستوى فيما يخص قضية بعينها تثير القلق على نحو خاص: التهديدات الناشئة عن التغيرات المناخية وارتفاع درجات حرارة الأرض، والتي تجاهلتها الاستراتيجية. وتشير تقارير أولية إلى أنه من المتوقع صدور تقرير مشابه من جانب «البنتاغون» تحت عنوان «استراتيجية الدفاع الوطني»، وسيحمل الخطأ ذاته.


بيد أن المؤسف حقاً أن هذا الأمر ليس مثيراً للدهشة، بالنظر إلى الخطاب الذي تبنته حملة الرئيس دونالد ترمب، وأعرب عن شكوك عميقة إزاء حقيقة التغيرات المناخية، إضافة إلى تعيين مسؤول عن وكالة الحماية البيئية لا يؤمن بأن ارتفاع درجات حرارة الأرض بسبب الإنسان حقيقة، وقرار إدارة ترمب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. من خلال سلكها هذا الطريق، فإن الولايات المتحدة تتنازل عن ريادتها العالمية على صعيد هذه القضية المحورية، بل وتعرّض نفسها لمخاطر أمنية حقيقية خلال العقود المقبلة.


جدير بالذكر أن ما يجعل التغيرات المناخية على هذه الدرجة البالغة من الخطورة أنه بينما تصبح التداعيات كارثية في المستقبل، فإن الفرصة الوحيدة لحل المشكلة متوافرة في الحاضر فقط. ويعني ذلك أن الانتظار «حتى نتيقن من حقيقة التغيرات المناخية» يضعنا في مواجهة مستقبل مهدَّد على نحو خطير إذا ما اتضح خطأ رهاننا. ومن بين أكثر القضايا إلحاحاً اليوم: ندرة المياه، والجفاف، والصراع على الموارد، على نحو يسفر عن اشتعال حروب ووقوع أعمال إرهاب، إذ أكد الكثير من الدراسات التداعيات واسعة النطاق للجفاف وندرة المياه فيما يتعلق بتأجيج أعمال العنف عبر مجموعة واسعة ومتنوعة من الدول والمناطق. ولا تزال سوريا والسودان ومالي والعالم العربي بوجه عام يعاني من ارتفاع درجات الحرارة وموجات من الجفاف. وتشكل المجاعات والمصاعب الاقتصادية الناجمة عن ذلك الوضع تربةً خصبةً لاجتذاب الشباب العاطل الساخط.


أيضا ارتفاع منسوب البحر على نحو يغرق الموانئ والسواحل: تجري أحداث رواية رائعة جديدة من تأليف عمر العقاد بعنوان «الحرب الأميركية» في القرن الـ21 داخل الولايات المتحدة، حيث تُغرق المياه بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر الكثير من أرجاء فلوريدا، وتؤدي إلى اشتعال حرب أهلية ثانية. ومع أن هذا لا يعدو كونه عملاً أدبياً خيالياً، تظل الحقيقة أن منسوب مياه البحار والمحيطات في ارتفاع بالفعل جراء ذوبان الجليد في المناطق القطبية، وبمرور الوقت ستصبح الأجزاء الأدنى من البلاد - التي تضم بعض أكثر القواعد العسكرية الحيوية لدينا - في مواجهة خطر الغرق والاختفاء.


علاوة على ذلك هناك قضية ذوبان القطب الشمالي وتفاقم التوترات والمنافسات الجيوسياسيةن وانتشر في الفترة الأخيرة مقطع مصوَّر لدبٍّ قطبي يتضور جوعاً، بينما يذوب من حوله موطنُه الذي لطالما أَلفَه. كان مقطعاً يدمي القلب، لكن الحقيقة أن التداعيات الجيوسياسية لما يجري في منطقة القطب الشمالي أخطر من ذلك بكثير، ذلك أنه من شأن ما يجري في المنطقة إثارة تنافس جيوسياسي بين روسيا ودول حلف «الناتو» الخمس التي توجد قريباً من القطب الشمالي، ما يفاقم التوترات في أقصى شمال الكرة الأرضية.


كما أن التغيرات المناخية تضر بالاقتصاد عبر خلق الحاجة إلى تقديم العون وإصلاح أحوال المجتمعات المتضررة، جراء السيول وغرق الموانئ والجفاف، الأمر الذي يخلق مزيداً من الضغوط على الميزانية ويقوّض الإنفاق الدفاعي ويقلص مجمل قدرتنا على ضمان جاهزيتنا لاتخاذ عمل عسكري عالمي إذا اقتضت الحاجة.


ويعتقد الكثير من الخبراء أن موسم الأعاصير السابق - وما ترتب عليه من آثار مدمرة بسبب أعاصير هارفي (تكساس)، وإرما (فلوريدا)، وماريا (بورتو ريكو)- مجرد عينة بسيطة مما تحمله الفترة المقبلة. في كلٍّ من هذه الأزمات، أجبرت المؤسسة العسكرية الأميركية على توجيه موارد هائلة - سفن وطائرات وجنود - بعيداً عن مهام حيوية، للاستجابة لآثار الإعصار. وبمرور الوقت، ستستمر مثل تلك الأزمات في الحد من مجمل جاهزية قواتنا الدفاعية.


والآن، من الضروري أن نتناول هذه التحديات عبر 3 سبل محورية:


أولاً، نحن بحاجة إلى الاعتراف بوجود المشكلة من الأساس. تدعم النسبة الكبرى من البيانات العلمية فكرة أن التغيرات المناخية، وارتفاع درجات حرارة الأرض أمر حقيقي واقع، وتتفاقم تداعياتهما بمرور الوقت. ورغم أنه من المشروع دوماً عقد نقاش حول أي قضية على هذه الدرجة الكبيرة من الأهمية، فإنه يتحتم علينا حماية أنفسنا في مواجهة الاحتمالية المرتفعة للغاية بأننا أمام تحدٍّ خطير يجب التصدي له عبر خطوات ملموسة (خفض الانبعاثات الكربونية، والاستثمار في موارد طاقة متجددة، والبحث عن تكنولوجيات لإصلاح الضرر الذي وقع بالفعل).


ثانياً، يجب أن تستعيد الولايات المتحدة دورها الريادي، خصوصاً أننا لا نزال الاقتصاد الأكبر في العالم وأصحاب القوة العسكرية الأكبر بفارق كبير عمن يلينا. ورغم بعض الخطوات السلبية التي اتخذتها إدارة ترمب، لا نزال نحظى بالعدد الأكبر من الحلفاء والشركاء والأصدقاء بين دول العالم. وتحتاج واشنطن إلى استثمار بعض من رأس المال الدولي هذا في المعاونة في بناء نظام عالمي متوازن ومنصف. والأفضل كثيراً أن نظل داخل إطار المفاوضات الجارية حول التغيرات المناخية عن محاولة التأثير على مسار الخطوات العالمية في هذا الاتجاه من الخارج.


ثالثاً، يتعين على الولايات المتحدة العمل على تناول قضية التغيرات المناخية على نحو متسق عبر جميع الوكالات والوزارات. وإذا كان البيت الأبيض قرر ترك القضية خارج استراتيجية الأمن الوطني لأسباب سياسية داخلية، فإنه يتعين على وزارات الدفاع والداخلية والأمن الداخلي دمجها في خططها طويلة الأمد.


نقلًا عن صحيفة «الشرق الأوسط»


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها