• رفح
  • غزة
  • الخليل
  • رام الله
  • القدس
  • نابلس
  • بيت لحم
  • أريحا
  • طولكرم
  • 0الدولار الامريكي
  • 0الدينار الاردني
  • 0اليـــــــورو
  • 0الجـنيه المصـري

نكتة اسمها المجتمع الدولي

نكتة اسمها المجتمع الدولي
فؤاد أبو حجلة

كانت هزيمتنا في العام 67 والتي تذاكينا فأسميناها نكسة، سبباً في ميلي إلى السياسية وشغفي بمتابعة الأخبار، وكان راديو الترانزستور الصغير الذي اشتراه أبي ليتابع الإذاعات وسيلتي الوحيدة للمتابعة واكتشاف العالم، وعلى الأخص عالمنا العربي الصغير بفعله وقدرته على التأثير.


كان الراديو ينقلني من غرفة صغيرة شديدة الحرارة تتوسط سقفها مروحة كهربائية عديمة الفائدة، إلى فضاء العالم الكبير المشتعل بالصراع... وبالتغيير. وكنت أجوب، من خلال ذلك الجهاز العجيب، عوالم بعيدة وعواصم حاضرة في قلب الفعل ومركز الصراع، فتعرفت سماعياً على لندن، وباريس، وواشنطن، وعرفت بكين، وطوكيو، ونيودلهي، وأحببت موسكو، وهافانا، والقاهرة، وأحسست بدفء عمان، ودمشق، وبيروت، وبكيت على القدس.


في ذلك العام البائس في تاريخ العرب سمعت لأول مرة مصطلحاً أعترف أنه حيرني ولا يزال يحيرني حتى الآن. أعني "المجتمع الدولي"، وهو المجتمع الذي أعجز عن توصيفه رغم سعيي الحثيث لتفسير المعنى، ومحاولاتي لتلمس حدود وتفاصيل هذا "المجتمع" خلال رحلاتي في ثلاث قارات.


بصراحة، ليس الأمر سهلاً كما يبدو للوهلة الأولى، وليعذرني السياسيون والإعلاميون العرب الذين يواصلون ترديد هذا المصطلح الذي تحول إلى "كليشيه" ممل، فكل ما يقولونه عن "المجتمع الدولي" مجرد هراء.


تعالوا نحاول مرة أخرى. ما هو "المجتمع الدولي"؟ وما هي مواصفاته؟ هل هو مجتمع محافظ يخضع لمنظومة سلوكية متشددة؟ أم هو مجتمع متحرر يتيح الاختلاط بين الجنسين على شواطئ البحار؟ هل هو مجتمع منتج يكتفي ذاتياً بما يزرع ويصنع؟ أم مجتمع مستهلك يشتري بالعملة الصعبة كل ما يحتاج من وسائل العيش وكل ما لا يحتاج من أدوات الرفاهية؟ هل هو مجتمع متدين أم مجتمع قليل الصلة بالأديان؟ هل هو مجتمع متراحم في السراء والضراء؟ أم مجتمع متفكك يعاني من ضعف الروابط الأسرية والعشائرية والمناطقية؟


بالطبع، لا إجابات ممكنة على هذه الأسئلة. وليس هناك من يزعم امتلاك تعريف واضح وحقيقي للمجتمع الدولي، إلا في سياق التعريف السياسي الذي يشير إلى الدول. وفي هذا السياق أيضاً تقفز إلى الذهن أسئلة صعبة...


هل نقصد مثلاً الدول الأعضاء في الأمم المتحدة؟ وهل تتساوى هذه الدول في فعلها السياسي وتأثيرها على مسار التطور الكوني؟ وهل يمكن مثلا أن تتساوى مكرونيزيا مع الاتحاد الروسي في السياسة الدولية؟ وهل نستطيع القول إن اليابان وجمهورية بنين دولتان منتجتان؟ وهل يتساوى مسيحيو بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا مع مسيحيي إثيوبيا ومدغشقر وأنغولا؟ وهل يتساوى مسلمو أوروبا مع مسلمي آسيا؟ وهل يمكن القول إن بوذيي الصين متساوون مع بوذيي ميانمار وسيريلانكا؟


واقع الأمر أن لا شيء اسمه المجتمع الدولي، وكل ما يقال عن دور الأمم المتحدة في التعبير عن المجتمع الدولي يُشبه ما يقال عن جامعة الدول العربية في التعبير عن الأمة العربية أو المجتمع العربي.


ليس هناك شيء اسمه المجتمع الدولي، بل هناك قوىً مؤثرة وفاعلة ودول تسير في أفلاكها السياسية.


في العالم الآن أربع قوى فاعلة هي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي والصين، وليس هناك غيرها، فالآخرون مجرد هوامش تقترب أو تبتعد عن مركز الفعل بحسب ما هو مرسوم لها من أدوار. ولا أعني هنا الدول الصغيرة فقط، لأن دولاً أخرى كبيرة وعريقة كالهند مثلاً، تمكث في هذا الهامش وتكتفي بلعب دورها المحدد في نطاقات إقليمية لا تتطور أبداً.


ربما حان الوقت لنتوقف عن الهذر الممل عن المجتمع الدولي، وربما حان الوقت لأن تعيد الدول العربية النظر في خطابها السياسي، وفي لغة بياناتها.


 


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها