• Clear30°رفح
  • Clouds31°غزة
  • Clouds31°الخليل
  • Clouds31°رام الله
  • Clouds31°القدس
  • Clouds31°نابلس
  • Clouds31°بيت لحم
  • Haze32°أريحا
  • Clouds31°طولكرم
  • 3.62الدولار الامريكي
  • 5.11الدينار الاردني
  • 4.25اليـــــــورو
  • 0.2الجـنيه المصـري

29 عامًا على رحيل «أمير الشهداء»

خاص|| رحل «الوزير» وبقيت الروح تحلق على سياج الوطن (2)

خاص|| رحل «الوزير» وبقيت الروح تحلق على سياج الوطن (2)

شبكة فراس - كتبت: راتان جميل


تحل اليوم الذكرى التاسعة والعشرون لاستشهاد «أمير الشهداء»، مهندس الانتفاضة الكبرى القائد الرمز خليل الوزير أبو جهاد، على أيدي عناصر الموساد التي تسللت لتغتال الشهيد البطل على أرض تونس الخضراء، متوهمة أنها بذلك الاغتيال قد تستطيع القضاء على الانتفاضة الشعبية العارمة على أرض فلسطين، التي أعلنت رفضها للاحتلال الإسرائيلي وثورتها عليه، وتمسكها بإقامة الدولة المستقلة على أرض الوطن وعاصمتها القدس بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلها الشرعي الوحيد.


وإذا كانت أوهام يد الغدر الإسرائيلية التي طالت أمير الشهداء أبو جهاد، قد تبددت في اللحظة التي تأججت فيها الانتفاضة حينها بعد سماع نبأ الاغتيال لتشمل كامل أرض فلسطين التي أوقع الإسرئيليون يومها أربعة وعشرين شهيدًا لحقوا بركب شهيدهم القائد أبو جهاد، فإن هذه الذكرى تعاودنا اليوم ونحن ما زلنا نواجه آلة الحرب الإسرائيلية المعادية لحرية شعبنا والمتنكرة لحقوقه في تقرير مصيره فوق أرض وطنه، والعودة المشروعة إليه بعد التشريد والقهر ورحلة العذاب التي زادت عن نصف قرن، بسبب العدوان الإسرائيلي الذي يلجأ كل حين إلى وسائله الفاشلة السابقة في اغتيال القيادات والكوادر.


وتتجدد اليوم ذكرى أبو جهاد وإخوانه ورفاقه شهداء نيسان الكثر، ونحن أشد صلابة وأكثر تمسكا بأهداف شعبنا في تحقيق الاستقلال والدولة والعودة وكامل الأرض التي جرى احتلالها عام 1967، نظيفة، خالية من أي مستعمرات أو أثر يشير إلى زمن الاحتلال المشؤوم.


ليلة الاغتيال


كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً حينما عاد أبو جهاد إلى بيته، ولو أن البيت لا يعني له العائلة فحسب إنما استمرار العمل الذي يبدأ لحظة نهوضه من نومه القليل، لكنه عاد في تلك الليلة تمام الحادية عشرة لتكون الانتفاضة في موضع حديثه مع زوجته «أم جهاد» وابنتهما «حنان»، أخذ يحدث «أم جهاد» على آخر تقرير وصل إلى غزة، والذي يتضمن خبر اصطدام سفينتين قبالة شواطئ غزة حيث كانت إحداها محملة بعلب السمن، ما أدى إلى انتشار السمن على الساحل، انتشر السكان فور سماع الخبر لجمع ما يقدرون عليه، وأضاف أبو جهاد نقلاً عن الأهل في غزة أنهم أعتبرها هبة من الله سبحانه وتعالى للانتفاضة.


ذهب الجميع للنوم فيما ذهب «أبو جهاد» إلى مكتبه لمواصلة العمل بعد أن طلب آخر شريط عن الانتفاضة لمشاهدته، فقبيل الاغتيال بدقائق أجرى اتصالا هاتفياً مع ممثل منظمة التحرير في تشيكوسلوفاكيا، ليعلمه بأنه سيسافر إلى براغ في ذلك الصباح، سمعت أم جهاد «أبا جهاد» يتحرك بسرعة تاركاً مكتبه فإذا به يحمل مسدسه متجهاً إلى باب الغرفة، لحقت به ووقفت إلى جانبه لكنه طلب منها الابتعاد.


تقول «أم جهاد»: وقفت في الزاوية الأخرى لثوان شاهدت أمامي شخصاً على بعد متر واحد كان في حوالي الثانية والعشرين من عمره أشقر، يضع على وجهه قناعاً شبيه بقناع غرفة العمليات ولم يتكلم أبداً ، أطلق عليه «أبو جهاد» رصاصه من مسدسه فرد عليه بمخزن كامل من رشاشه، سقط أبو جهاد على الأرض، ذهب وجاء رجل آخر ظننت أنه سيقتلني أنا، ولكنه عاد وأفرغ رشاشه بجسد «أبي جهاد»، جاء الثالث وفعل نفس الشيء، كنت أضع يدي فوق رأسي وأنطق بالشهادتين، وأنا أتوقع قتلي، كنت أدير وجهي وعندما جاء رابع ليفعل نفس الشيء، صرخت بأعلى صوتي «بس» لكنه أفرغ رشاشه في جسده.


وأضافت أم جهاد: «ثم توجهوا جميعاً نحو غرفة النوم حيث ابني نضال البالغ من العمر سنتان ونصف، فكرت به وشعرت بخوف شديد عليه، وبحركة عفوية حاولت أن أتحرك نحوه لكن أحد المهاجمين وقف أمامي يهددني برشاشه كي لا أتحرك، دخل الآخرون إلى غرفة النوم، أطلقوا زخات من الرصاص، فتيقنت أن نضال قد قتل ولكنه كان يصرخ وكان صراخه يطمئنني».


انسحب القتلة من غرفة النوم، كانت حنان قد خرجت من غرفة نومها لترى ما يحدث، فوجئت بالأشخاص المجهولين أمامها فوجئت بأحدهم يقوم لها باللغة العربية «روحي عند أمك».


واشترك في العملية أربع قطع بحرية منها سفينة حراسة «كورفيت» تحمل طائرتي هليوكبتر لاستعمالها إذا اقتضت الحاجة للنجدة، كما تحمل إحداهما مستشفى عائماً. وقد رست القطع على مقربة من المياه الإقليمية التونسية تواكبها طائرة قيادة وطائرة أخرى للتجسس والتعقب.


وأشرف عدد من كبار العسكريين الإسرائيليين بينهم اللواء «أيهود باراك» واللواء «أمنون شاحاك» رئيس الاستخبارات العسكرية على تنفيذ العملية من الجو والبحر.


وصلت فرق الكوماندوز بالزوارق المطاطية إلى شاطئ تونس، وانتقلت وفق ترتيبات معدة سابقاً إلى ضاحية سيدي بوسعيد، حيث يقيم (أبو جهاد) في دائرة متوسطة هادئة وهناك انتظرت عودته في منتصف الليل، وقد انقسمت إلى مجموعات اختبأ بعضها بين الأشجار للحماية والمراقبة، وبعد ساعة من وصول أبو جهاد تقدم الإسرائيليون في مجموعات صغيرة نحو المنزل ومحيطه، فتم تفجير أبواب المدخل دون ضجة لاستعمالهم مواد متفجرة حديثة غير معروفة من قبل، وفي ثوان صعدت إحدى المجموعات إلى غرفة القائد وأطلقت علبة سبعين رصاص بكواتم الصوت.


قطعوا الاتصالات التليفونية بتشويش عبر أجهزة الرادار من الجو في منطقة سيدي بوسعيد خلال العملية وعادت المجموعات إلى الشاطئ حيث تركت السيارات التي استعملتها وركبت الزوارق إلى السفن المتأهبة في عرض البحر، ثم عادت إلى إسرائيل في أربعة أيام وفي حراسة الطائرات الحربية.


تفاصيل وأسرار


في عام 1997 كشفت الصحف عن تفاصيل العملية الدقيقة و التي استخدمت فيها الطائرات والزوارق، وقبل ذلك عملاء إسرائيل. صحيفة «معاريف» العبرية في عددها الصادر بتاريخ 4 تموز كانت أول جهة إسرائيلية تشير صراحةً وبالتفصيل لتورط إسرائيل في العملية التي أودت بحياة نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية.


قالت معاريف، دون أن يكذبها أحد في تل أبيب: «إن من نفّذ العملية وحدات كوماندوز خاصة تابعة لهيئة الأركان الإسرائيلية، و هي الأقوى في الجيش الإسرائيلي في منزل أبو جهاد ليلة 15 - 16 نيسان 1988، وتم تنظيم العملية كعملية عسكرية واسعة النطاق، و تم نقل المشاركين في الاغتيال على متن أربع سفن، من بينها اثنتان نقلت عليهما مروحيتين، لاستخدامهما في حالة الاضطرار لعملية إخلاء طارئة إذا حدث أي خلل أو طارئ غير متوقع'.


وكشفت الصحيفة أنه تم إعادة بناء فيلا أبو جهاد التي كان يقطن بها في تونس العاصمة بتفاصيلها الدقيقة في إسرائيل اعتماداً على عملاء لجهاز الموساد، الذي ساعد رجاله في تدريب الوحدات العسكرية على العملية داخل الفيلا الشبيهة في إسرائيل. وأوضحت الصحيفة: أن إيهود باراك «مساعد رئيس الأركان» وقت تنفيذ العملية، وزعيم حزب العمل عند نشر هذا التقرير في معاريف، هو الذي أعد للعملية و أشرف على عملية الاغتيال من البحر قبالة شواطئ تونس، و هو صاحب سجل حافل في عمليات الاغتيال.


ولكن «باراك» لم يكن وحده، فـ«معاريف» نشرت صور وأسماء القيادات التي خططت و نفذت تلك العملية، وأبرزهم: إسحاق شامير رئيس حكومة الاحتلال وقت ذاك الذي صادق على عملية الاغتيال وبعد تنفيذ العملية بنجاح أرسل برقية تهنئة لمنفذيها، وكذلك إسحاق رابين و زير الدفاع في حكومة الوحدة الإسرائيلي الذي أيد تنفيذ العملية في جلسة المجلس الوزاري المصغر، و آمنون ليبكين شاحاك رئيس الاستخبارات العسكرية الذي وفر معلومات لازمة لتنفيذ العملية بنجاح، وناحوم أدموني رئيس جهاز الموساد الذي قدم أيضاً معلومات دقيقة لإنجاح العملية، وإيل رجونيس ضابط الاستخبارات في دورية هيئة الأركان والذي بدأ، كما تقول الصحيفة بجمع معلومات في نهاية عام 1987 بعد تسريحه من الجيش، ودان شومرون رئيس الأركان الإسرائيلي الذي صادق على عملية الاغتيال.


وتكشف الصحيفة، أن إسرائيل استعانت بطائرة بوينغ 707 كانت تحلق قرب الشواطئ التونسية لجمع معلومات وبثها والتنصت على الهواتف التي يستخدمها القادة الفلسطينيون، وأشارت الصحيفة إلى أنه أثناء الاستعداد لتنفيذ عملية الاغتيال، تمكنت دوريات بحرية إسرائيلية بمساعدة شبكة الموساد في تونس، من التسلل إلى الشواطئ التونسية لتحديد المكان الأكثر أمناً لانطلاق وحدة الكوماندوز التي أوكل إليها مهمة تنفيذ الاغتيال. و من أهم ما نشرته الصحيفة تفاصيل اتخاذ القرار باغتيال أبو جهاد، وربما يساعد ذلك في فهم التفكير الإسرائيلي في مثل هذا النوع من الاغتيالات و الذي طال هذه المرة، أعلى رتبة عسكرية و سياسية فلسطينية ضمن سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل.


وذكرت «معاريف»، أنه في 8/3/1988، وبعد انتهاء عملية اختطاف الباص الذي كان يقل موظفي مركز الأبحاث النووية في ديمونا، عقد مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر، و على رأس جدول الأعمال اقتراح قدمه جهاز الموساد باغتيال أحد أفراد منظمة التحرير الفلسطينية ولكنه هذه المرة كان «أبو جهاد».


لماذا أبو جهاد؟


تقر «معاريف» العبرية بأن هناك أسباباً عديدة كانت وراء قرار اغتيال أبو جهاد، ووضعت في المقدمة من هذه الأسباب الدور الرئيس لأبى جهاد في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، ولكن حديثها عن الأسباب الأخرى يكشف بأن قرار اغتيال أبو جهاد لم يكن وليد تلك الظروف المتعلقة بالانتفاضة، فالصحيفة تدرج سبباً رئيساً آخر يتعلق بدور أبو جهاد السابق في العمل المسلح ضد إسرائيل خلال سنوات طويلة ماضية.


ويسرد الصحافي الأيرلندي «غوردون طوماس»، في كتابه «انحطاط الموساد» ما جرى في تلك اللحظات الحرجة في 16 نيسان 1988 صدر الأمر بالتنفيذ، في تلك الساعة أقلع عدد من طائرات بوينغ 707 التابعة لقوة الجو الإسرائيلية من قاعدة عسكرية تقع جنوبي تل أبيب، كانت واحدة تقلّ إسحاق رابين وعدداً من كبار الضباط الإسرائيليين، و كانت على اتصال دائم عبر لاسلكي سري بفريق الاغتيال الذي اتخذ أفراده مواقعهم بقيادة عميل اسمه الرمزي سورد، كانت الطائرة الأخرى مكدسة بأدوات المراقبة والتشويش، وكانت طائرتان أخريتان تنقلان خزانات الوقود، وعلى ارتفاع شاهق فوق الفيلا حام أسطول الطائرات في الفضاء، وهو يتابع كل حركة على الأرض عبر تردد لاسلكي، وبعيد منتصف الليل في 16 نيسان سمع الضباط المحمولون جواً أن أبا جهاد قد عاد إلى منزله بسيارة المرسيدس التي كان أبو عمار قد قدمها له كهدية عرسه.


ويكمل طوماس: «من موقع قرب الفيلا، أعلن سورد عبر ميكروفون يعمل بحركة الشفاه أنه يسمع أبا جهاد وهو يصعد السلالم، ويذهب إلى غرفة نومه، ويهمس شيئاً لزوجته ويمشي على أطراف أصابعه إلى الغرفة المجاورة لتقبيل ابنه النائم قبل أن يمضي إلى مكتبه في الطبقة الأرضية، كانت طائرة الحرب الإلكترونية، وهي النسخة الإسرائيلية لطائرة الرادار الأميركية إيواكس، تلتقط هذه التفاصيل وتحولها إلى رابين في طائرة القيادة، وعند الساعة 12:17 صباحاً صدر أمره بالتنفيذ».


وبعد قرار التنفيذ هذا كان على «سورد»، أن يأمر رجاله بالتنفيذ، فأجهز أحد رجاله على سائق أبي جهاد الذي كان نائماً في سيارة المرسيدس. ثم تحرك «سورد» نفسه مع أحد رجاله وفجرا بوابة الفيلا بمتفجرات بلاستيكية لا تحدث صوتاً، ثم قتلا حارسين فوجئا بالموقف على ما يبدو، و من هناك اندفع «سورد» إلى مكتب أبي جهاد فوجده يشاهد شريط فيديو، وقبل أن ينهض أطلق النار عليه مرتين في صدره، ولم يكتف «سورد» بذلك، فأطلق رصاصتين إضافيتين على جبهته. وبعد كل تلك السنوات من تنفيذ العملية فقد اعترفت الأوساط الإسرائيلية أن العملية فشلت في هدفها الأساسي و هو إخماد الانتفاضة، بل إن الانتفاضة تصاعدت أكثر فأكثر. فالرصاصات التي أطلقها رجال الكوماندوز الإسرائيلي صحيح أنها أنهت حياة أبو جهاد على الأرض ولكنها أحيته في قلوب ملايين الفلسطينيين.


غادر القتلة المنزل تاركين خلفهم حوالي سبعين رصاصة في جسد «أبو جهاد». سبعون هدفًا في جسد، رصاص في قلب حركات التحرر العالمية، رصاص في قلب الرأي العام العالمي الذي كان أبو جهاد حريصاً على كسبه.


رحل «أبو جهاد» الرجل الثاني في حركة «فتح» وأحد مؤسسيها مع الرئيس الرمز ياسرعرفات، والذي ناضل إلى جانبه لأكثر من ثلاثين عامًا، عُرف خلالها بالالتزام المطلق وبالنضال في سبيل فلسطين الوطن، متمسكا بالوحدة الوطنية وبالقرار الوطني المستقل وساعيا لتحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.


رحم الله أبو جهاد.. المجد للانتفاضة، والخلود للشهداء الأبرار ..


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها