• Clear24°رفح
  • Clouds27°غزة
  • Clouds27°الخليل
  • Clouds28°رام الله
  • Clouds28°القدس
  • Clouds28°نابلس
  • Clouds28°بيت لحم
  • Haze28°أريحا
  • Clouds28°طولكرم
  • 3.61الدولار الامريكي
  • 5.09الدينار الاردني
  • 4.26اليـــــــورو
  • 0.2الجـنيه المصـري

تدويل الحج إعلان للحرب

تدويل الحج إعلان للحرب
د. هالة مصطفى

ليست الشكوى التى تقدمت بها قطر إلى لجنة الحريات الدينية بالأمم المتحدة ضد السعودية واتهامها بـ «تسييس» الحج ووضع العراقيل أمام المواطنين القطريين لمنعهم من أداء المناسك, بالأمر العارض, الذى يمكن أن يمر دون التوقف عنده كثيرا لدلالته السياسية التى تتجاوز هذه الحدود من ناحية، ولكونه يحمل فى طياته دعوة مُبطنة لتدويل إدارة الحج حتى وإن ادَعت الدوحة غير ذلك من ناحية أخرى, فقطر هى أول دولة خليجية وعربية سنية تُقدم على هذه الخطوة, وهذه الخاصية هى ما أعطت للحدث أهميته وحدّت بوزير الخارجية السعودى عادل الجبير لاعتباره تدخلا سافرا فى الأعمال السيادية للمملكة وسعيا لتدويل الحرمين الشريفين (المكى والمدنى) وإنه بمثابة «إعلان للحرب» فى المنطقة.

هذه التصريحات لا تعُد من قبيل المبالغة فى القول أو مجرد تصعيد فى اللغة الدبلوماسية, وإنما تعكس واقعا فعليا تشهده المنطقة يجعلها على حافة حرب كبيرة, فالدولة الوحيدة التى سبقت قطر فى هذه الدعوة هى إيران, الخصم العنيد والمنافس الرئيسى للسعودية منذ اندلاع ثورتها الإسلامية فى 1979، والتى كان زعيمها آية الله الخومينى أول من طالب بجعل هذه المناسبة الدينية التى يحرص عليها ملايين المسلمين فرصة للتعبير عن المواقف السياسية والمذهبية ضمن خطته الأشمل لتصدير ثورته وتحقيق الهيمنة الإقليمية, تحت مسمى تحرير وفتح «أم القرى» فى إشارة إلى مكة التى ضم معها المدينة المنورة لانتزاعهما من السعودية صاحبة السيادة الأصلية, ووضعهما تحت إدارة هيئة من الدول الإسلامية (السنية والشيعية) تتم رئاستها بالتناوب ويكون لطهران دور أساسى فيها, بل وألزم كل شيعى ذاهب إلى الحج بإعلان «البراءة من المشركين» القائمين على إدارتهما من خلال تنظيم المسيرات المناهضة للمملكة أثناء إقامة الشعائر الدينية. لذلك لم تكن مصادفة أن تندلع مظاهرات الحجاج الإيرانيين فى العام التالى مباشرة على الثورة (1980) أمام المسجد النبوى مرددين الهتافات السياسية ورافعين صور الخومينى, وهو الأمر الذى تكرر فى السنوات اللاحقة مصحوبا بأعمال شغب وتفجيرات وتورط فى اقتحام الأماكن المقدسة واشتباكات مع قوات الأمن طوال الثمانينيات والتسعينيات وحتى وقتنا الراهن، مُخلفا وراءه مئات (أحيانا آلاف) من الضحايا وكان آخر هذه الحوادث الكبرى ما وقع قبل عامين وعُرف إعلاميا بحادث التدافع بـ «مِنى».

باختصار, قضية تسييس وتدويل الحج التى تقودها إيران ليست مسألة طارئة أو منتهية, ولكنها تدخل فى صلب سياساتها الإقليمية وكجزء لا يتجزأ منها, تطمح من خلالها إلى النيل من المكانة الدينية للسعودية وتأثيرها ونفوذها الذى تتمتع به بين مسلمى العالم بحكم ضمها أهم الأماكن المقدسة, بل وتزداد خطورة القضية إذا تم ربطها بمخططات التقسيم التى ترددت فى السنوات الأخيرة, استنادا لمشروع المستشرق البريطانى الأمريكى الجنسية برنارد لويس والمسمى بـ «الشرق الأوسط الجديد» والذى طرحه فى الثمانينيات وتحدث عن تلك الأماكن بنفس منطق التدويل.

فى هذا السياق يمكن قراءة الدور الإيرانى الذى يُصعّد من الصراعات المذهبية والطائفية التى قد تفضى إلى التقسيم فى جميع الملفات المفتوحة لينتقص من الدور السعودى ويكتسب مزيدا من النفوذ على الأرض, حدث ذلك منذ زمن حرب الأعوام الثمانية مع عراق صدام حسين (1980-1988)، لإضعافه ثم السيطرة شبه الكاملة عليه بعد الغزو الأمريكى له 2003 وما أعقبه من حل للجيش العراقى، وأخيرا عند خروج القوات الأمريكية منه لتُحكم طهران وحلفاؤها وميليشياتها قبضتها على مفاصل الدولة, ومن هنا تأتى أهمية الزيارة الأخيرة التى قام بها مقتدى الصدر زعيم التيار الصدرى (له تمثيل بالبرلمان وجناح مسلح باسم سرايا السلام وهو واحد من فصائل الحشد الشعبى) إلى الرياض منذ أيام, وبالمثل تكرس وجودها فى لبنان من خلال حزب الله الذى لم يقو إتفاق الطائف الذى أنهى الحرب الأهلية 1989 على نزع سلاحه، بل مازال يتحكم فى معادلة الحكم إلى الآن, ونفس الشىء فى سوريا بدعمها وقتالها إلى جانب نظام بشار الذى تتمسك الرياض بتنحيته عن السلطة لهذا السبب, بل أصبحت ــ أى طهران ــ رقما مهما فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى بتحالفها مع حركتى حماس والجهاد الإسلامى, بالإضافة إلى حربها بالوكالة فى اليمن على الحدود السعودية عن طريق الحوثيين.

استفادت إيران ولاشك من اتفاقها النووى مع الولايات المتحدة فى تنفيذ أجندتها الإقليمية دون معارضة دولية حقيقية, ولعل أبلغ تعبير عن الجانب السياسى فيه هو ما قاله صراحة الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما بأن «الحروب فى الشرق الأوسط لن تنتهى مالم تتقبل السعودية وإيران التعايش معا واقتسام النفوذ» وهو موقف لم يختلف كثيرا مع إدارة دونالد ترامب رغم تصريحاته العدائية ضد السياسة الإيرانية, فكل ما فعله هو المطالبة بتعديل بعض بنود هذا الاتفاق, وتكفى الإشارة إلى أن دخول قوات الحرس الثورى الإيرانى إلى قطر ـ حيث أهم قاعدة عسكرية أمريكية ـ لم يؤد إلى تغيير يُذكر فى موقفه ما يؤكد أن توازن القوة بين الجانبين السنى والشيعى مازالت هى السياسة المعتمدة فى البيت الأبيض.

لهذه الأسباب ولحدة الصراع الإيرانى السعودى كان رد فعل الرياض إزاء السياسة القطرية حاسما, خاصة بشأن الموقف الأخير من قضية تسييس أو تدويل الحج, وهى قضية على درجة كبيرة من الحساسية, فقطر تعكس سياسة إيران وتُكسبها صوتا خليجيا يُضفى عليها نوعا من المصداقية, ولعل حضور ممثلين قطريين رفيعى المستوى مراسم تنصيب الرئيس الإيرانى حسن روحانى الأسبوع الماضى, هو مظهر رمزى لعمق العلاقات بين البلدين, التى تكرست منذ منتصف التسعينيات بعد وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة عقب الانقلاب الشهير على والده حاكم الإمارة, ومنذ ذلك الحين لم تحد الدوحة عن الخط السياسى لطهران, بل ساندتها فى المحافل الدولية وقت الحملة العنيفة ضدها بخصوص مشروعها النووى, ورفضت استخدام أى قاعدة عسكرية على أراضيها لمهاجمتها, وكثفت تعاونها الأمنى والعسكرى والاقتصادى معها مثلما دعمتها إيران بقوة فى أزمتها الأخيرة بعد مقاطعة الدول الأربع لها على خلفية تمويلها الجماعات الإرهابية, والأرجح أن يستمر الحال على ما هو عليه مادامت الحروب الطائفية والمذهبية مستمرة فى المنطقة.


عن الأهرام المصرية

كلمات دالّة:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها